ابن أبي الحديد

5

شرح نهج البلاغة

[ بدء ظهور الغلاة ] وأول من جهر بالغلو في أيامه عبد الله بن سبا ( 1 ) قام إليه وهو يخطب ، فقال له : أنت أنت ! وجعل يكررها ، فقال له : ويلك ! من أنا ؟ فقال : أنت الله ، فأمر بأخذه وأخذ قوم كانوا معه على رأيه . وروى أبو العباس أحمد بن عبيد الله ، عن عمار الثقفي ، عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي ، عن أبيه ، وعن غيره من مشيخته ، أن عليا قال : ( يهلك في رجلان : محب مطر يضعني غير موضعي ويمدحني بما ليس في ، ومبغض مفتر يرميني بما أنا منه برئ ) . وقال أبو العباس : وهذا تأويل الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وآله فيه ، وهو قوله : ( إن فيك مثلا من عيسى بن مريم ، أحبته النصارى فرفعته فوق قدره ، وأبغضته اليهود حتى بهتت أمه " . قال أبو العباس : وقد كان على عثر على قوم خرجوا من محبته ، باستحواذ الشيطان عليهم ، إلى أن كفروا بربهم ، وجحدوا ما جاء به نبيهم ، واتخذوه ربا وإلها ، وقالوا : أنت خالقنا ورازقنا ، فاستتابهم وتوعدهم ، فأقاموا على قولهم ، فحفر لهم حفرا دخن عليهم فيها طمعا في رجوعهم ، فأبوا ، فحرقهم بالنار ، وقال : ألا ترون قد حفرت حفرا ( 2 ) * اني إذا رأيت أمرا منكرا * وقدت ناري ودعوت قنبرا *

--> ( 1 ) عبد الله بن سبأ : رأس الطائفة السبئية ، نقل ابن حجر عن ابن عساكر في تاريخه : ( كان أصله من اليمن ، وكان يهوديا فأظهر الاسلام ، وطاف بالمسلمين ليلفتهم عن طاعة الأئمة ، ويدخل بينهم الشر ، ودخل دمشق لذلك ) . وانظر لسان الميزان 3 : 289 - 290 . ( 2 ) الحفر ، بالسكون ويحرك : البئر الواسعة .